|
مالك فندق بالخفجي السعودية يعلق صورة بالمدخل للتذكير بالدمار الذي خلفه الجنود العراقيون في فبراير 1991 فؤاد سعد الدين يروي لـ«الشرق الأوسط» : كيف فتح الفندق للقيادة الكويتية بعد الغزو ودمر جنود صدام الفندق في 36 ساعة الخفجي: بدر المطوع
كثير من السعوديين نسوا احتلال صدام حسين لمدينة الخفجي شرق السعودية لمدة 36 ساعة، الا سعوديا واحداً يتعمد تذكير نفسه وغيره من ابناء مدينته وزوار فندقه بذلك الحدث من خلال تعليق صور للقطات الدمار التي خلفها الجنود العراقيون في فندقه. فؤاد سعد الدين مستثمر سعودي في مشاريع السياحة، لا تجذبه احاديث السياسة وهمومها لكنه يرى ان ما فعله الجنود العراقيون في فندقه يستحق التذكير به، لذا «تعمد والدي سعدالدين مرسي وبمباركة من جميع العاملين معه في الفندق وفي مقدمتهم أبناؤه ان يضع لوحة لأبرز صور الدمار التي لحقت بفندقنا على يد جنود صدام حسين لحظة استباحتهم للخفجي في مطلع فبراير(شباط) 1991». ويقول فؤاد لـ«الشرق الأوسط» وهو يستعجل موظفيه بتقديم فنجان قهوة داخل صالة استقبال فندق شاطئ الخفجي الملاصق لحدود الكويت (شمال شرق السعودية) انه اكتشف في فبراير (شباط) 1991 سر انقباض صدره تجاه رئيس العراق في اوقات سابقة على غزو الكويت، بينما كان معظم العرب يحلو لهم اطلاق لقب (فارس العرب) لوصف صدام حسين قبل غزو الكويت، حيث يقول «كنت اشعر بنغزة في قلبي كل ما رأيت صورة صدام حسين، او سمعت تبجيل اصدقائي له تلك الايام». ولا يزال والد فؤاد بعد 12 عاما بالضبط من ذلك الاجتياح يهتم شخصيا بشرح مأساة فندقه لكل من يسأل من نزلاء او زوار الفندق عن خلفية الصور التي نصبت في لوحة امام صندوق الحسابات. ويفسر فؤاد إصرار والده بالقول «لا شك ان هذا حدث للتاريخ.. فقد فجعنا بمأساة اجتياح الكويت فما بالك ان يصلنا الاجتياح حتى عقر استثمارنا الذي يعد من معالم الخفجي». واضاف «نجيب على اسئلة المستفسرين دائما باننا نشفق من كل قلوبنا على حال شعب العراق، الذي تجرع على وجه الخصوص معاناة تسديد فاتورة مغامرات يرتكبها صدام باسمهم.. واللوحة ستبقى شاهدا حيا على جزء من حقيقة صدام التي اراها تغيب احيانا عن اذهاننا بدافع التعاطف مع معاناة الشعب». جنود صدام لم تحالفهم فرص البقاء اكثر من 36 ساعة في الخفجي، لكن خبرتهم في التدمير كانت كافيه لالحاق خسائر موجعة لمشروع سياحي صغير ووحيد داخل شبه مدينة تعتمد في نموها على منفذ حدودي، ومنطقة نفطية مقسومة بين بلدين «اسرفت شركة يابانية في تجاهلها لمتطلبات التنمية فيها رغم تمتعها بامتياز استخراج نفطها لسنوات طويلة» حسب رؤية اهالي الخفجي خلال نقاشاتهم مع «الشرق الأوسط» وهم لا يملون من ترديد مشاعر سرورهم بانتهاء عقدها اخيرا مع حكومتي الرياض والكويت. واثناء تسجيل هذا الحوار في صالة الفندق مع مالكه، ظهر صدام حسين في نشرة الاخبار في التلفزيون ليعلق فؤاد قائلا «بالله عليك اسمع، كله تضليل وكذب. تعرف ان احد ضباطه رد على اتصال اطمئنان من والدي بالتليفون ليرد عليه مستهترا ويؤكد لوالدي ان فندقه اصبح مقر قيادة الجيش العراقي في الخفجي». شهد الحوار، الذي خلقت ظروفه تلك اللوحة، لحظات بدا فيها فؤاد منزعجا للغاية من تذكر مواقف مختلفة نتجت عن غزو العراق للكويت. كما كشف في الحوار الذي استغرق فترتي الضحى وبعد الظهر، جانباً من المشهد الاول لخروج القيادة الكويتية الى الخفجي في حين كانت عائلة فؤاد تتقدمهم والدته وزوجته وأبناؤه داخل العاصمة الكويتية (تبعد عن الخفجي بمسافة 108 كيلومترات تقريبا). يتذكر بالقول «الساعة الرابعة فجر الخميس 2 اغسطس قمت من نومي بسبب مكالمة من امارة الخفجي (تحول مسماها الرسمي الى محافظة ضمن النظام الحديث للحكم في السعودية الصادر في العام 1993) يدعوني فيها محدثي من على الطرف الاخر للحضور فورا لمقر الامارة». كان فؤاد في تلك اللحظة لا يعلم شيئا عن اجتياح الجيش العراقي للاراضي الكويتية في طريقه للعاصمة، يقول «دخلت مبنى الامارة وتوجهت لمكتب الامير خالد العطيشان (تحول لقب امير الى محافظ ضمن نفس النظام الجديد)، وطلب مني رسميا حجز الفندق بالكامل لفترة مفتوحة، كما طلب تأمين الغذاء اليومي للقادمين من الكويت». بعد ان استفسر سعد الدين من العطيشان عن الامر اخبره الاخير بان صدام غافل الجميع وغزا الكويت، «في تلك اللحظة انفتح باب المجلس الرئيسي للامارة وكان على طرف لساني سؤال عن الطريقة المناسبة لإخراج عائلتنا من العاصمة الكويتية، إلا انني رأيت اعضاء القيادة الكويتية بمقدمتهم امير البلاد، فقررت فورا ان الظرف يتطلب التخلي عن كل ما يؤخر تأدية الواجب وبدأت مباشرة تجهيز ما طلب مني». وفي نهاية اغسطس (آب) توجه فؤاد الى الكويت بتسهيلات استثنائية تطلبت استصدار بطاقة انتساب لشركة النفط الكويتية ليتسنى له دخول الكويت من منفذ المنطقة المقسومة بغرض احضار والدته وابنائه وشقيقاته. وهنا ايضا كان له موعد مع ملامح من بطش جنود صدام حسين التي توجت باحتلاله وتدمير فندقه، حيث رأى بعينه كيف يعامل الجنود العراقيون أي شخص يثبت انه سعودي، وكان شاهد عيان على حالات لاعتقال كويتيين بطريقة تعسفية دفعته للتمهل في خوض مغامرة الفرار بعائلته من تهديدات الاحتلال. «في النهاية استطعنا تدبير امورنا بعد اكثر من عشرين يوماً تقريبا للخروج في رحلة شاقة وخطيرة ذهبت بنا للحدود الكويتية ـ العراقية ومنها الى الاردن لنصل الى الاراضي السعودية في نهاية سبتمبر (ايلول) 1990» وفق حديثه، حيث اغلق الجيش العراقي منفذ النويصيب الحدودي مع الخفجي ليقطع على من داخل الكويت فرصة اللوذ بالسعودية. عاود فؤاد نشاطه في خدمة ضيوف فندقه من كبار الرسميين والدبلوماسيين ورجال الاعلام الذين تقاطروا من دول العالم. وكرس فؤاد (34 عاما في تلك الاثناء) ووالده وشقيقه جل وقتهم لخدمة نزلاء الفندق الكثر «اتذكر بوضوح انه في الساعات الاولى، بل الساعة السادسة صباح الخميس كان فندقنا المتواضع يعج بعائلات الأسرة الحاكمة، وكبار الاسر الكويتية والمسؤولين». ويضيف «ردهات الفندق تحولت لمجلس يلتئم فيه الجمع. وفي المساء كانت سلالم الدرج موقعا جذابا للجلوس براحة كاملة.. سخونة الطقس وارتفاع معدل الرطوبة كانا عاملين حاسمين في عدم حرص النزلاء على الاستفادة من المساحة الشاسعة لفناء الفندق». ودور الصدفة كان حاضرا في هذه الاجواء لتغدو صالة افراح الفندق التي اختير لموعد تدشينها مساء الخميس 2 اغسطس 1990 بحفل زفاف لاحد ابناء الخفجي، بمثابة باب الفرج، حيث جرى تعديلها سريعا لتتناسب مع ظروف الوضع الجديد وتبدلت الى مخدع نوم لكثير من النزلاء الذين لم تستطع غرف الفندق الـ 24 من احتوائهم رغم الاستفادة الكاملة من كل طول فيها. يسجل فؤاد سعدالدين لاهالي الخفجي موقفهم النبيل عندما فتحوا منازلهم امام افواج الكويتيين، يقول«بعد اليومين الأولين كانت معظم السيارات تصل الخفجي مليئة بالنساء والاطفال فقط». وفقا لفؤاد استمرت تلك الاوضاع فترة اغسطس (اب) وسبتمبر (ايلول) ومنتصف اكتوبر (تشرين الاول)، ليبدأ تواجد العائلات في الانحسار. حل محله حضور طاغ لضباط وافراد جيوش التحالف، والدبلوماسيين والصحافيين ومسؤولين اخرين. وفي 17 يناير (كانون الثاني) 1991 اعلنت الخفجي منطقة عسكرية اخليت من جميع من تبقى من المدنيين بما فيهم نفر من الصحافيين. يشير فؤاد الى تلك اللحظات برعشة بسيطة بالقول«كنا النشاط المدني الوحيد الذي ترى ابوابه مفتوحه وعند الخامسة فجرا تلقينا اتصالا يأمرنا باغلاق ابواب الفندق والتوجه الى ملاجئ الامن العام في اطراف الخفجي. عند الظهر طلب منا مغادرة المدينة نهائيا.. لحقنا انا وشقيقي مع عمالنا بالاهل في الدمام». ولم يتسن لفؤاد ملامسة تراب الخفجي إلا في منتصف فبراير (شباط) 1991 عقب طرد الجيش العراقي من الاراضي الكويتية، يقول «ما استطعنا الحصول على تصاريح العودة الى الخفجي حتى توجهت برفقة بعض الموظفين والعمال صوب الفندق الذي استمثر فيه والدي نحو 6 ملايين ريال لافتتاحه» مضيفا «مشاعر لا توصف من الاسى عندما شاهدنا حجم الدمار.. كانت خيبة بكل المقاييس.. تأكدت حينها لماذا كنت شبه وحيد، قبل الغزو، في مشاعري المتحفظة تجاه صدام حسين بينما كان اصدقائي والناس من حولي تشيد بخصاله». ويضيف «رغم ان فترة احتلالهم للخفجي لم تتجاوز الـ36 ساعة إلا انني ذهلت من قدرتهم على انشاء ثلاثة خنادق واسعة حول جهات الفندق.. طبعا استخدموا فيها ما وجدوه في مستودع الفندق من مواد البناء. كانت صدمتي كبيرة من تدميرهم غير المبرر لاثاث الفندق حتى جهاز السنترال الرئيسي كسروه عندما لم يتمكنوا من حمله معهم.. قصفوا المبنى الخارجي بقذائف.. كلفنا ذلك اعادة ترميم للفندق باكثر من مليون ريال (اكثر من 266 الف دولار).. كنا متفقين مع والدي في تسجيل حجم ذلك الدمار بالصور الفوتغرافية كما رأيتها». وفي ذهن فؤاد سعدالدين وافراد عائلته مجلدات من وقائع تلك الايام، لكنه يعترف بصعوبة سردها متسلسلة الاحداث قائلا «الفترة طويلة نوعا ما، انما الان ذكرت لك اشياء لم اتحدث بها من قبل ولم افكر اصلا في الحديث عنها لانشغالي بأمور الحياة وتطوير مشاريعنا السياحية في المنطقة الحدودية». |
Other articles you might like;


Comments